إيمان عطية
قبل ثلاث سنوات كنا نعيش في عالم اعتقدنا انه استطاع ترويض تقلبات الاقتصاد الكلي من خلال استقلالية البنوك المركزية واستهداف التضخم. كما كان يعتقد ان «البجعات السوداء» وهي الأحداث التي يبدو احتمال وقوعها ضعيفا وتأثيرها بالغا، قد قضي عليها بفعل الادارة المتطورة للمخاطر والتوريق، وركنت الشركات والمستثمرون الى فكرة ان «جميع البجعات بيضاء».
وبعد مرور ثلاث سنوات، وجدنا انفسنا في عالم تملأه البجعات السوداء، فيما تعيش الشركات والمستثمرون على حد سواء في خوف دائم من تلك الاحداث بعيدة الاحتمال بالغة الأثر، يتمترسون في وضع دفاعي بانتظار ان يرتكب المنافسون الاخطاء، وتواصل الشركات خفض النفقات كما لو انه لا وجود للغد. مرحبا بعالم «العرف الجديد»، عالم الكلمة العليا فيه للتغيير الهيكلي وليس لدورة الأعمال. ومع الاعتذار للفيلسوف كارل بوبر، فان رؤية بجعة بيضاء واحدة ينبغي ان يدحض فرضية ان جميع البجعات حاليا هي سوداء. وألن يكون من المفارقة ايضا اذا ما اتضح ان البجعة البيضاء هي اعادة اكتشاف لموضوع عدم وفاة دورة الأعمال؟ بالتأكيد ان الصدمة الكلية الكبرى للكثير من المستثمرين قد لا تكون في تراجع اقتصادي آخر، بل ستكون في انتعاش اقتصادي دوري قوي بفعل حوافز سياسات مالية ونقدية هائلة.
ان المستثمرين، الذين لم يمنحوا الوقت منذ ثلاث سنوات للاستراتيجية الكلية، اصبحوا مقتنعين الآن بان قطيعا كاملا من البجعات السوداء سيقوض الاسواق في عام 2010 وما بعده. وبالنسبة للكثيرين منهم، فان الخوف مرتبط بخفض مديونية القطاع الخاص ويتركز على ضعف انفاق المستهلكين واستمرار ارتفاع معدلات البطالة وضعف اسواق الاسكان، وبالنسبة للبعض الآخر، يتعلق الأمر بشح الاقراض المصرفي الى الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم الذي يحول دون حدوث انتعاش في الاستثمار وتحقيق انتعاش اقتصادي مستدام، أو ان المقابل لزيادة فوائض القطاع الخاص هو تضخيم عجز القطاع العام الذي تتزايد صعوبة تمويله. وبالنسبة لآخرين، فان الامر مرتبط بسحب التخفيف الكمي واحتمالات زيادة معدلات الفائدة التي من المؤكد انها ستقوض أي انتعاش.
استهلاك الأسر
ومع ذلك، فإن الواقع هو ان استهلاك الأُسر الاميركية ليس في حالة سقوط حر، فالاستهلاك الشخصي وصل حاليا الى %2، اي اعلى من المستوى المتدني الذي يبلغه في ديسمبر 2008، وكنسبة من الناتج المحلي الاجمالي، فإنه يقترب حاليا من اعلى مستوياته على الاطلاق، لكن ما هو غير مسبوق فعليا هو رد فعل الشركات التي تقوم بتخفيضات هائلة في الانفاق الرأسمالي والمخزون والوظائف. وباختصار، فإن الركود الاقتصادي في الولايات المتحدة العام الماضي كان نتيجة معدلات الادخار المرتفعة جدا عند الشركات وليس لدى الأسر، والسؤال الكبير الآن هو ما اذا كانت الشركات قد قامت بعمليات خفض اكبر من اللازم، وهل قلصت الشركات الإنفاق بمعدلات تفوق كثيرا المستويات الحالية لإنفاق الأسر؟ وهل سوف يُفاجأ قطاع الشركات بمرونة مستوى الطلب الحالي اكثر من مستويات التراجع المزدوجة؟
ان قيام الشركات بإعادة تعيين الموظفين الذين سرحتهم العام الماضي، واعادة تجميع المخزونات التي وصلت الى ادنى مستوياتها التشغيلية، واعادة الترخيص بالإنفاق الرأسمالي الذي تخلت عنه في ذروة الائتمان، فان ذلك سيكون بمنزلة الصدمة لسرب البجعات السوداء، وسيساعد على خفض معدلات البطالة الذي بدوره سيعزز ثقة المستهلكين ويخفض الفائدة على القروض ويساعد على استعادة مضاعف الائتمان في النظام المصرفي، فضلا عن زيادة نمو الناتج المحلي الاجمالي الاسمى الى مستوى سيكون له تأثيرا ايجابيا على عجز الميزانية.
تبعات الانتعاش
ان ظهور انتعاش اقتصادي تقوده الشركات قد يكون له تبعات جذرية وراديكالية على الاستراتيجية الاستثمارية، ذلك انه بداية سيهز مستثمري العائدات الثابتة ويخرجهم من نطاقهم المريح، كما سيزيد وتيرة عملية تحول، هي في طور الحدوث اصلا، في اسواق الأسهم، بعيدا عن النظام الذي ساد العام الماضي والذي كانت تقوده السيولة باتجاه التركيز على اساسيات الأسهم، مثل نمو الارباح الى جانب امكانية حدوث انتعاش كبير في عمليات الاستحواذ والاندماج مع اعادة الشركات لهيكلة اعمالها. وكان خبير استراتيجي زميل قد لاحظ أخيرا كيف ان المتشائمين بشأن التغييرات الهيكلية يؤخذون على محمل الجد بصورة اكبر من المتفائلين بشأن دورات الاعمال والاقتصاد، ويميل الآخرون الى رفضهم على اساس انهم «متفائلون سذج» في افضل الاحوال، ومطبلون لوول ستريت في اسوئها، لكن تجاهل المستثمرين لامكانية حدوث انتعاش في دورة الاعمال ليس في مصلحتهم.
فاذا ما توقف قطاع الشركات عن ادارة نفسه من اجل السيولة وبدأ في الاستثمار من اجل الغد والمستقبل، فانه يظل من الممكن لهذه البطة الصغيرة القبيحة للانتعاش ان تتحول الى بجعة بيضاء جميلة.
لقد حان الوقت ان نتذكر جميعا ان ليس جميع البجعات سوداء.
¶ فايننشال تايمز ¶