أجرى الحوار: جاسم عباس
في سلسلة حلقات من «قديم الكويت»، نقلب صفحات الذكريات من الرعيل الاول من رجالات الكويت الذين تخضرموا في مرحلتي ما قبل النفط وما بعده، وطالما ان الحنين للايام الخوالي، الى الكويت القديمة، كويت الخير والبركة والحياة الاجتماعية المتألقة، هو القاسم المشترك الذي يجمعهم، فمن الانصاف ان نشمل معهم عددا من الوافدين من مختلف الجنسيات التي قدمت الى الكويت قبل 40 او 50 سنة، فجاهدوا وعملوا، كل في مجاله وما زالوا مساهمين في ورشة البناء والتنمية، ولن يستمر هذا التواصل والعطاء لولا محبتهم لهذا البلد الخير ومحبة الكويت واهلها لهم.
في مستهل لقائنا مع هاشم دودمان المشهور في سوق السمك ببيع الهامور والخباط فقط، والذي يطلق عليه منذ أكثر من 52 سنة اسم «هاشم الهامور»، قال: أنا السماك وابن السماك وحفيد السماكة، وإذا انقطع موسم الهامور أو الخباط فبسطتي تكون خالية من الأسماك، ودائما أدعو الله ان يجعلني من الهوامير أي الشخصيات الكبيرة الذين يملكون الأسهم والعقار، حتى قال لي أحدهم: يا هاشم متى تكون هامورا؟ قلت له: يا عمي الهامور نهم كبير يأكل بكثرة، ويقع في يد الصياد بسرعة فائقة بالسنارة والخيط والقراقير وأنا لا أريد أن أقع في أيدي المشترين، لأنني سماك لا جزاف (تاجر الجملة) الذي يبيع ويشتري جزافا.
أضاف دودمان: إذا اشتد البرد ودخلت الجلة بعت الخباط المالح الذي يجفف، وليعرف الناس انه سمي خباطا لتخبطه في الماء خاصة ذنبه، وأنا السماك من مواقع النجوم من برج العقرب الذي يكثر فيه الفقع.
وقال دودمان: منذ عام 1956 وأنا مع الزفر (ريحة السمك) مع السكينة والطبر، دخلت الكويت سماكا، وأعيش سماكا وسأموت سموكا، نزلت من اللنج سنة تأميم قناة السويس وحرب العدوان الثلاثي على مصر، قال: أنا أعرف التواريخ والأحداث لأني من عائلة مثقفة، ولكن الزمن دفعني إلى عبور البحر من إيران إلى الكويت، واعتقد ان العدوان الإسرائيلي الانكليزي الفرنسي على القاهرة كان في أكتوبر ونوفمبر عام 1956، والشباب الكويتي الآن لا يعرف الهامور، ولا الخباط، ولا الجنعد، والشيم أكل الحشيم، همهم الهامبورغر والكتشب، واللحم الطويل يسمونه سجق، ما يعرفون أن من «أكل عين النقرور، لا يتعدى باب السور»، أي من أكل النقرور، أصبح من الكويتيين، وأنا أكلت أعين وعيون النقارير ولم أحصل على الجنسية، نعم عشقت الكويت وترابها وأرضها وأهلها.
الكويتيات خبيرات في السمك
وذكر هاشم السماك طريقة اختيار السمك عن البسطة في السوق، فقال: تأتي أمنا وأختنا الكويتية وهي خبيرة في الهامور وغيره من الأسماك، تضع يدها جهة الرأس إلى مؤخرة الهامور، إذا شاهدت ما لونه أبيض تعرف انها انثى، والذكر يخرج منه الدم، يعرفن الذكر من الأنثى، وتعرف النقرور وقت صيده في الليل أو النهارحيث يكون في النهار اكثر بياضا، وفي الليل مائلا للإصفرار، أين الآن تلك الخبرات، لا نشاهد الإناث إلا القليل، أصبح الاعتماد على «السواق» والخادمات، عندما يصلون السوق يتصل السائق بالمعزبة وهي تكلمنا وتطلب، ونسلم السمك للخادمة، بناتنا وأولادنا لا يعرفون ان يختاروا الشمام والبطيخ واللحم وحتى الفواكه، اشتر وعلى الله الستر.
هامور هاشم
وقال هاشم: أنا متخصص بالهامور وكل سمكة طولها ما بين 50سم ومتر واحد وأحيانا أمسك الهامورة فأجد طولها اكثر من المتر، ولا أبيع صغار الهامور التي تسمى «البالول» والبالول لا أبيعه لأني أتألم وأبكي عليه لأنه على البسطة وهو يلبط (يتحرك) وينادي أمه كأنه يقول لها «لا تبكي يا أماه حتى تشوفيني في القدر أو عظامي على الشاطىء» والأطفال يأتون مع أمهاتهم وآبائهم تجدهم في السوق يلبطون ويتحركون مثل البالول.
اضاف: هامور هاشم يؤكل، وهامور المناخ انكسر، والآن هوامير الأسهم سقطوا، اطلب من الله سبحانه ان ينقذهم من الأزمة العالمية، والهامور سمكة هادئة وقورة مسالمة كسولة، فلذلك يسمى الهامور في أغلب الدول ب«وقار».
وأنصح عشاق الهامور أن يعرفوا الفرق بين الهامور وسنينو، والقطو، والبالول، لأن الله خلق من الشبه أربعين، وأنصح الحذر من إشماهي إذا تقطع فلحمه يشبه الهامور، ولكن عند الطبخ يختلف الطعم.
خبرة في الخباط
وقال: متخصص في الخباط ايضاً، عندما اشتري بالجملة، اعرف كيف ازيد الملح، وكيف اغطي الكمية بالخياش، واعرف الخباط الكويتي الذي اصطيد بالهيالة (الشبك العائم)، واعرف الصياد الماهر الذي يصرف استخدام الهيالة. وبعد 52 سنة لدي خبرة بالشهر العربي الذي يصطاد فيه الخباط، والخباط في بعض الاشهر القمرية يتنقل بسرعة فائقة، حتى لا يعرف الصياد فيها الراحة. والخباط الكبير الذي يكون لونه الخارجي مثل الفضة، ومن داخله مثل الذهب، يؤكل هذا النوع مع المحمر (رز يضاف اليه السكر والزعفران والهيل وماء الورد والسمن) وديوانية الشعب في الرميثية دائما يعدون المحمر بعصارة التمر (الدبس)، وهو الاصل في اكلة المحمر، وانا اتذكر من عام 1958 عندما كانوا في ميدان حولي يعدون هذه الوجبة، وبهذه الطريقة، وما احلى المحمر مع الخباط حتى خدام المقابر يشتهون المحمر، خصوصا على يد سعود سالمين. واضاف هاشم: افضل انواع الخباط الذي يصطاد في بحر رأس الارض، وهذه السمكة تباع بالحبة الواحدة ولا تباع طازجة، الا مملحة.
وحدة الوزن
وذكر هاشم الموازين القديمة التي كانت تستخدم في الكويت او الخليج او ايران واغلب الدول التي عرف وسمع عنها مثل:
ـ المثقال = خمسة غرامات.
ـ المن = 140 رطلاً.
ـ الرطل = نصف كيلوغرام تقريباً اي ما يعادل 0.454 كيلوغرام وانتهى عام 1963 في الكويت.
ـ الوقية = خمسة ارطال.
ـ الصاع= 2.5 كيلوغرام.
ـ الهندر = 508 كلغم.
وقال: نحن في الكويت قديماً كنا نزن السمك بالوقية، اذا طلب المشتري واحدة نضع في الميزان 2 وقية، والحساب للوقية الواحدة فقط، وهي كلمة تركية OKE اوك، وانا بعت بالوقية والرطل والكيلوغرام. واما المقاييس القديمة فكانت مشتركة وموحدة مع ايران والعراق ودول الخليج منها: الفتر - الشبر - الذراع - الوار - الخطوة - الباع، والمكاييل كانت: الكوطي - استكانه - مغرفة - الجربة - كود (المجاميع).
ذكريات السوق
وتحدث أولاً عن الطريق الذي يوصل اليه الى مكان الهامور والخباط الى «دجَّته» الزلفة التي تعرض عليها اسماكه فقال: أنا من سكان المطبة منذ سنة العدوان على مصر، اخرج من هذا الفريج في الطريق اشاهد مسجد «عبدالاله» ثم فريج «الزهاميل»، و«ودروازة العبدالرزاق»، و«سكة ابن دعيج» وسوق الدهن والتمر والخضرة واخيراً سوق السمك. ومن ذكرياتي في السمك، السماسرة أو ما كنا نسميهم «الدلالوه»، كانوا شرفاء في التعامل يفرزون السمكة الصغيرة عن الكبيرة، ولا يمكن ان يخلطوا صيد يوم امس مع صيد اليوم، وتسمع اصواتهم عن بعد حتى آخر سوق الخضرة والدهن واللحم، ويبدأ حراج الاسماك، بعد صلاة الفجر أتذكر منهم: حجي اسماعيل الجزاف رحمه الله وهو كفيلي، علي حسين الجزاف، حيدر حمزه، حسين حجي علي المشهور بشق بطن الصبور خلال دقائق ينظف العشرات، اللنقاوي، حجي عامر اشكناني، السلاحي، الشعيبي، ابو احمد القبندي. اضاف: بعد الانتهاء من الحراج نسمع من التجار وهم الدلالوه يقولون لنا: «ربي ارزقني وارزق غيري»، كانوا يساعدون الباعة، ويقولون: نحن الجزافون جزفنا على البيع والشراء من اصحاب اللنجات، وانتم لا تجازفون بيعوا على العقل والركادة والتأني، ومن ذكريات سوق السمك كما سمعت من الكبار انه بني عام 1894م وجدد عدة مرات، كما احترق عام 1969.
أضاف: وفي السوق اذا لم نجد الزبائن نشاهد القطط بالعشرات بسبب فضلات الهامور والنقرور والشعم، واكثرها حول باعة الهوامير الغنية بالاحشاء.
ومن الزبائن من كان يأتي ولسانه طويل جدا، وكنا نخاف منهم، ولكننا تعلمنا ان «السمكة في الماء، حاويها سبحان رب خلاها اسم العظم ما فيها» نقصد بهذا اللغز «اللسان».
وذكريات بعض الكلمات التي سمعتها من محبي السمك وهم اعزاؤنا، يقول أحدهم: يا هاشم لماذا لا تضع دوشك، وچادر، ويودري في السوق، يقصد اثاث النوم لانني متواجد يوميا من الرابعة فجرا حتى التاسعة مساء، ويقول الآخر: رش جسمك بالخنة وزباد وكلونيا عرفت ان هذه الاسماء من انواع الطيب، على صاحب الزفر وهو باع السمك ان يستعملها.
سُموك طازجة
وقال السماك دودمان: كلمة سمعتها من احد الدكاترة في الجامعة، فهي جمع السمكة كما الاسماك والس.ماك، وقال لي: انصح الامهات ان يعوّ.دن الابناء على السمك البحري لأنه فاضل، محمود، لطيف، طري، بارد ورطب خاصة ما قرب من مؤخرة السمكة.
نعم انه دكتور قلت له انا «سماج» في سوق السمك، أنصحك بوضع يدك على جسم السمكة قبل شرائها، فإذا كان لحمها قاسيا، وبطنها منتفخا، واذا رفعت يدك اصبح الجسم منتصبا، ولون الخيشوم احمر، وعيونها لامعة براقة، ليست غاثرة، فتكون طازجة.
واذا شممت رائحة الطحالب، ورائحة هواء البحر فهي طازجة، كما كان يفعل الآباء والاجداد في السوق، وآباؤنا كانوا يعرفون الطازج من غيره، اذا كان لحمه طريا رخوا، واذا رفع يده تثني وتنحني، ولون الخيشوم ابيض، والعيون باهتة، واذا عرفت الاسماك التي تعيش بين الصخور فإنك حصلت على لحم بنكهة اطيب.
بقايا السوق
وأخيرا قال: أنصح كبار السن بعد الستين من العمر بأكل «الحفش»، سمكة تعطي القوة والحرارة، لحمها سهل الهضم، والتركيز على لحمها وبيضها (الكافيار). وبعد 52 سنة مع السمك والزفر ختم قائلا: هذا اول لقاء في حياتي، وكل من كان معي في السوق ماتوا، لم يبق الا انا وسكينتي وطبري الذي احتفظ به منذ سنوات مضت، كنت اكسر بهذا الطبر خشب الاشجار الذي كنا نسميه «كُرْم» نتخذه للوقود، وأشكركم على هذا اللقاء، واريد ان ارسل نسخا من «القبس» الى اولادي واحفادي في جنوب غرب ايران (لامرد).