لندن : رائد الخمار:
في التاسع من يوليو 1978قُتل عربي بأيد عربية في احد شوارع لندن وتبين ان القتيل هو رئيس الوزراء العراقي السابق عبد الرزاق النايف، الذي تسلم منصبه لاسبوعين فقط في عام 1968 وبعد انقلاب عسكري، وان القاتل هو فلسطيني يحمل جواز سفر جزائرياً.
في وثيقة ارسلتها دائرة الشرق الاوسط في الخارجية البريطانية الى السفارات البريطانية في بغداد وجدة وطهران وعمان وواشنطن، الروايات الآتية نقلاً عن ثلاث صحف بريطانية هي «ذي غارديان» و»مورننغ ستار» و»دايلي تلغراف» (...).
قالت « ذي غارديان» كان للنايف شبكة علاقات جيدة مع المعارضين العراقيين وبعض السياسيين العرب في اوروبا وكان على لائحة المطلوبين للسلطة العراقية والمحكومين بالتصفية اينما وجدوا. واشارت الى ان بروزه كان في انقلاب عام 1968 عندما قاد ضباطه وجنوده في17يوليو لتسلم السلطة مع اللواء احمد حسن البكر الذي ما لبث ان انقلب عليه مع الضباط البعثيين وابعدوه عن السلطة واضطروه الى الفرار خارج العراق.
وقالت «دايلي تلغراف»، التي روت ان قاتله في الخامسة والعشرين من العمر اسمر البشرة كان يرتدي نظارة سوداء واوقفته الشرطة بعد الحادث مباشرة، كما اوقفت زميلاً له ملامح شرق اوسطية في احدى شقق لندن التي لجأ اليها بعد اغتيال النايف في وضح النهار.
واشارت الصحيفة الى ان النايف كان قد حوكم غيابياً في بغداد وحُكم عليه بالموت بتهمة إهانة الثورة في عام 1971 لكنه لجأ الى بريطانيا حاملاً جواز سفر اردنياً وتعرض لمحاولة اغتيال في منزله في مارلبورن ستريت في لندن عام 1972 لكنه نجا واصيبت زوجته بجراح. وكان اثنان من العرب وراء الحادث.
واضافت الصحيفة ان 6 مجموعات من القتلة المحترفين تسافر الى مختلف الاقطار لتصفية المعارضين لحكم الرئيس البكر والبعث في العراق.
وقالت الصحيفة اليمينية المقربة من الاستخبارات «لم يعرف بعد ما اذا كان نظام البكر امر بالعملية... لكن ما يجري في بغداد وحول العالم يعطي الادلة على ذلك، خصوصاً ان نظام البكر يحاول تثبيت اقدامه في حكم العراق عبر تصفية المعارضين الذين يمكن ان يتسلموا الحكم في اي انقلاب مقبل.
واشارت الى ان 21 ضابطا اعدموا قبل شهرين لانهم كانوا يخططون لانقلاب يعيد الشيوعيين الى الحكم ويحاكم البعثيين الذين يواجهون ثورة كردية في شمال العراق.
ونقلت الصحيفة عن مصادر ديبلوماسية عربية قولها «ان النايف كان مؤهلاً للعودة الى السلطة اذا تلقى الدعم الموعود من سوريا التي تناصب الحكم العراقي العداء». وذكرت ان «قيادة العراق تخلت اخيراً عن قتل المعارضين مباشرة بواسطة ديبلوماسيين مزورين وانها لجأت الى المحترفين من انصار ابو نضال لتنفيذ هذه العمليات القذرة».
الذكرى العاشرة لتسلم البعث الحكم
وفي جواب على تقارير الصحافة البريطانية، قال السفير البريطاني في بغداد مستر ستيرلينغ «اعتقد ان نظام البكر اختار قتل النايف كي يحتفل الحزب بالذكرى العاشرة لتسلمه السلطة من دون اخطار يمثلها النايف الذي كانت له علاقات عربية جيدة وحصل على تمويل افضل من ضباط سابقين قد تمكنه من العودة بدباباته لتهديد حكم البعث».
اهتمام الملك حسين
وبدا من الوثائق البريطانية ان اللواء النايف كان على علاقة بالاردن، اذ سارع الملك حسين، الذي كان في العاصمة البريطانية، الى التعزية بوفاته عندما زار منزله ليل الاغتيال. كما طلب العاهل الاردني الاجتماع مع وزير الداخلية البريطاني في هذا الشأن، وامر وزير داخليته بالاتصال بالفرع الخاص في الشرطة البريطانية المكلفة حماية الشخصيات والديبلوماسيين والتحقيق بالحادث وابلاغه اولاً بأول بالنتائج.
ونقل التقرير، الذي حُذفت اجزاء منه وبعض الاسماء، والذي كتبه دافيد تاثام من دائرة الشرق الاوسط بتاريخ 11 يوليو 1978، ان الكوماندور نيفيل ورئيس الشرطة المفتش العام رادفورد زارا الملك وابلغاه بالمعلومات الاخيرة المتوافرة جراء تحقيقاتهما بالحادث، لكن يبدو ان الملك طرح اسئلة لم يستطيعا الاجابة عنها لانها تتعلق بمعلومات عن القاتل وبما اذا كان غيره لا يزال طليقاً في لندن.
والغريب ان اكثر من 60 وثيقة عن الحادث لم يرد فيها اي ذكر لصدام حسين وما اذا كان له دور في الامر بتصفية المعارضين العراقيين في الخارج.
باسل عقل
وفي الوثائق ايضاً برقية كتبها مستر واكفيلد من السفارة البريطانية في بيروت، وأُرسلت الى السفارات البريطانية في المنطقة، خصوصاً الى بغداد ودمشق، تناولت اجتماعاً بين الديبلوماسي البريطاني وباسل عقل ممثل منظمة التحرير في الامم المتحدة.
وقال عقل «ان منظمة التحرير جد مسرورة من اعتقال القاتل مباشرة بعد حادث اغتيال النايف، وان ياسر عرفات قرر ارسال مذكرة تشير الى مسؤولية ابو نضال عن الاغتيال، اضافة الى مسؤوليته ايضاً عن اغتيال سعيد حمامي في لندن ويوسف السباعي في قبرص وعلي ياسين في الكويت».
وأضاف «ان المذكرة شديدة اللهجة وتطالب العراق بتسليم ابو نضال»، متهما مسؤولين عراقيين بحمايته وتسهيل مهام قاتليه في عواصم العالم.
وكانت السفارة البريطانية في البحرين قد تلقت برقية عاجلة من لندن في التاسع من يوليو 1978 تطلب فيها معلومات عن صالح احمد حسن المولود في البحرين عام 1958، ويحمل الجواز رقم 8939 بعد اعتقاله بتهمة اغتيال النايف.
وافادت الوثائق لاحقاً ان الجواز مزوّر، ونقلت عن تقارير في الصحافة اللبنانية ان الشاب المعتقل فلسطيني يحمل جواز سفر جزائرياً، وانه عضو في المجلس الثوري التابع لصبري البنا (ابو نضال).
الميزان التجاري
وفي الوثائق ايضاً برقية من تاثام تفيد ان وزير الخارجية البريطاني طلب فور معرفته بالحادث تقريراً عن الميزان التجاري مع العراق، وما اذا كان قطع العلاقات معه يؤذي الصادرات البريطانية (...).
وافاد التقرير ان ما تصدّره بريطانيا الى العراق يصل الى 167 مليون جنيه استرليني، اي نحو 9.2% من واردات العراق. وتستورد بريطانيا من العراق ما قيمته 233 مليون جنيه استرليني، 90% منها لشراء النفط.
وافاد التقرير ان «العنف هو سمة الحكم الحالي في بغداد، وانه لا صديق دائماً للنظام، إذ تقوم علاقاته بالجميع على أساس المصالح الدائمة، ومن لا يخدم مصلحته يعتبره عدوا».
الحلقة المقبلة:
من قتل كمال جنبلاط؟