في الثمانينات، مرّ العرب الأميركيون بظروف صعبة، فقد أعاد بعض المرشحين تبرعاتنا ورفضوا تأييدنا لهم، بل ورفع بعضهم لافتات كُتب عليها «لا للعرب الاميركيين» وكتبنا آنذاك حول هذا الوضع ووصفناه بـ«سياسات العزل».
ولكننا قاومنا، ونظمنا صفوفنا وعملنا بجّد ثم انتصرنا. ــ أو لنقل ــ حققنا الكثير من الانتصارات. اما الآن، وعلى ضوء ما حدث لمازن اصبحي، علينا ان نتحسس هذه الانتصارات التي يبدو انها لا تزال هشة.
فما حدث لأصبحي دق جرس الانذار مجدداً، وجعلني اتساءل ما اذا كانت «سياسات العزل» قد انتهت بالفعل، ام انها قد أطلّت بوجهها القبيح مرة أخرى؟!
ولمن لا يعرفون، فإن التالي هو ما حدث: اعلنت حملة باراك اوباما في الخامس والعشرين من يوليو الماضي، عن تعيين مازن اصبحي كمنسق للتواصل مع العرب الاميركيين والاميركيين المسلمين، وكمحام شاب ومبتدئ، لم يكن مازن معروفا لدى الكثير من ابناء هاتين الشريحتين، ولكنه سرعان ما ثبت قدميه في هذا الموقع واجرى اتصالاته مع زعماء العرب والمسلمين على مستوى البلاد للتعريف بنفسه ولبلورة الوسائل الممكنة لاشراكهم في حملة اوباما.
وكنت سعيداً للالتقاء به، ورأيته شديد الاهتمام بأسرته وبمنصبه الجديد، وكان قد اثبت نجاحه كمحام خلال فترة قصيرة، لكنه ابلغني ان منصبه الجديد اتاح له فرصة مهمة لتقديم شيء لبلده ومجتمعه، وخلال الفترة القصيرة التي تولى مهامه هذه، كنا نتحدث معاً يومياً تقريباً، وقد تعلم الكثير خلال هذه الفترة وبذل كل ما في وسعه لمنح العرب الاميركيين والاميركيين المسلمين الشعور بالانخراط في حملة اوباما.
حزن وقلق
ولكن، ما الذي حدث بعد ذلك؟ كشف موقع مغمور يدعى «التقرير اليومي للاخوة الاسلامية العالمية» LOBAL MUSLIM BROTHERHOOD DAILY REPORT الذي يتولى متابعة ومراقبة النشطاء والمنظمات الاسلامية، ان مازن كان قبل ثماني سنوات عضواً في مجلس إدارة «صندوق المستشارين للأصول المتحدة» ALLIED ASSETS ADVISORS FUND الى جانب جمال سعيد الذي وصفه بأنه «امام مثير للجدل في احد مساجد الاصوليين في الينوي». وفي الواقع، لم يكن جمال عضوا في هذا المجلس سوى لاسبوعين فقط، قبل ان يكتشف امورا لم تعجبه في تلك المجموعة، فقدم استقالته.
ويبدو ان هذه العضوية القصيرة جدا هي المصدر الرئيسي لـ «المزاعم» المتعلقة بمازن. اما التهمة الاخرى، فهي ان مازن ـــ شأنه شأن آلاف الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة ـــ كان زعيما لاتحاد الطلبة المسلمين، وهي المؤسسة المرموقة التي لها وجود في كل الجامعات الاميركية. ولكن هذا الموقع الالكتروني المناوئ للمسلمين، اطلق على اتحاد الطلبة هذا«الجبهة الوهابية» وهو الاتهام الذي ألقى بظلاله على مازن.
وفي الايام التي تلت ذلك، اخذت هذه الاتهامات طريقها الى المدونات اليمينية المتطرفة التي بدأت تكتب عن مازن وتطلق عليه الاوصاف البعيدة كل البعد عنه.
بيئة ظالمة
والتقطت النبأ، صحف كبرى مثل وول ستريت جورنال وبدأت في التهويل والمبالغة. وخوفا من تصاعد الموقف، اتفق مازن مع مسؤولي حملة اوباما على الاستقالة، واصدر مازن بيانا قال فيه: انني استقيل من دوري كمتطوع في الحملة، من اجل تفادي تحويل الانظار عن رسالة التغيير التي تحملها حملة اوباما».
لقد ترك هذا الامر لدى الكثيرين في حملة اوباما وفي الجاليتين العربية والاسلامية في اميركا، شعورا بالحزن والقلق.
ويمكن الخروج بعدة ملاحظات مما حدث، وتجب اثارة العديد من التساؤلات بشأن الوضع الذي وجدنا انفسنا فيه.
لقد اثمر اجتماع المواقع الالكترونية المتعصبة والمدونات المتشددة ووسائل الاعلام غير المسؤولة والخوف والجهل تجاه القضايا ذات الصلة بالعرب والمسلمين - اثمر كل ذلك - عن بيئة ظالمة للجاليتين العربية والاسلامية في الولايات المتحدة.
فمن يقف وراء الموقع الالكتروني GLOBAL MUSLIM BROTHERHOOD DAILY REPORT الذي افتعل هذه القصة؟ وما اجندتهم؟ ولماذا لم تحاسب شخصيات من امثال ديبي شلوسيل وميشيل مالكني وستيفن شوارتز ودانيال بايبس وفرانك غافني وديفيد هورويتز على نشر معلومات مضللة ورسالة عدم التسامح التي يعممونها، تجاه العرب والمسلمين؟!
وعلى الرغم من استقالته، فما زال مازن ملتزما بدعم اوباما وتقوية ابناء جاليته، وستواصل حملة اوباما تواصلها مع العرب والمسلمين، ولكن يجب علينا ان نتساءل: ماذا عن مصير اي عربي او مسلم سيتولى مثل هذه المهمة؟
وإذا ما ارادت الولايات المتحدة المضي في تقدمها وريادتها، فإن عليها اشراك كل مواطنيها في العملية السياسية، وعلينا الا نسمح بالعودة الى تلك الايام السوداء التي واجه فيها العرب والمسلمون الاقصاء والعزل، ليس فقط لان من الخطأ القيام بذلك، بل ايضا من اجل التواصل مع هذا العالم الذي نعيش فيه.
د. جيمس زغبي
رئيس المعهد العربي- الأميركي في واشنطن